العائدون من الموت

كتبهاصفية قريشي ، في 10 مارس 2007 الساعة: 11:17 ص

 

العائدون من الموت

 

بعد أن كاد يلقى حتفه في العراق العام الماضي.. الإعلامي الأميركي بوب وودروف يروي تجربته للجمهور ويتخصص في ملف الجنود المصابين

 

 

 

كان مشهداً مؤثراً على شاشات التلفزة صباح الثلاثاء الماضي.. دمعت عينا المذيع الذي أصبح أكثر نجوم الاعلام لمعاناً في اميركا. كان الإعلامي التلفزيوني في شبكة «أي.بي.سي» الأميركية، بوب وودروف، جالساً الى جانب مقدمة البرامج الشهيرة دايان ساوير وهما يشاهدان شريطاً وثائقياً عن اصابته في العراق. في إحدى اللقطات سألت زوجة وودروف الطبيب الذي كان يشرف على علاجه في مستشفي عسكري أميركي في ألمانيا «هل تعتقد انه سيواصل حبه لي»… فجأة بدا وكأن فترة الـ 13 شهرا التي مرت منذ إصابة وودروف في العراق، وخضوعه للعلاج المكثف بعد ان كادت الاصابة تودي بحياته، ومن ثم عودته للظهور على الشاشة «وكأن شيئا لم يحدث» كما وصفه زملاؤه الاعلاميون… أشبه بمعجزة. ظل بوب وودروف يرقد في حالة غيبوبة مدة 36 يوماً، بعد إصابته في العراق، التي حصلت بعد اسابيع قليلة فعليا من تعيينه مذيعا اساسيا في النشرة المسائية الرئيسية لشبكة «أي.بي.سي» إلى جانب زميلته إليزابيث فيرغيس، إلا أن «فتى الأخبار الوسيم» كما يعرف في الوسط الإعلامي كان يتوق دائما للتغطية الميدانية، وكانت «أي.بي.سي» تجرب طريقة تقديم النشرة بمذيعيين أحدهما في الاستديو والثاني في الميدان، وبعد نجاة وودروف بأعجوبة من انفجار لغم أصاب العربة التي كانت تقله، نقل الى ألمانيا ومن ثم الى اميركا، حيث أجريت له عملية أزيل خلالها جزء من جمجمته وهو الجزء الذي تهتك نتيجة الاصابة. كان من بين أقوى لحظات البرنامج المشهد الذي بدا فيه وودروف مستلقياً على فراش المرض وبناته الثلاث يضعن على رأسه أذني ميكي ماوس ويحاولن تعليمه النطق بجملة قصيرة من كلمتين. «حزام انثنى».

كان بوب وودروف وقتها في غيبوبة كاملة بعد ان انفجرت قنبلة زرعت على جانب الطريق في الشاحنة التي كان بداخلها مع فريق شبكة «إيه بي سي» قرب منطقة التاجي، وأدى الانفجار الى سقوط وودروف خارج المدرعة التابعة للجيش العراقي. مشهد وودروف العائد من الموت هز كل أميركا. أحدث ظهوره في برنامج «صباح الخير أميركا» موجات متلاحقة من ردود الفعل. ردود فعل سياسية وإعلامية وثقافية واجتماعية.

 

على المستوى السياسي أصبح بوب وودروف وبرنامجه الجديد حول الجنود الاميركيين الذين تعرضوا لاصابات في المخ في قلب مناقشات الكونغريس. على المستوى الاعلامي أدى ظهور وودروف، بعد أزيد من سنة (منذ يناير من السنة الماضية) الى هزة كبيرة في شبكة «إن بي سي» المنافسة التي بادرت الى إقالة طاقمها القيادي في مجال الأخبار. على المستوى الاجتماعي هبطت ثروة على جمعية خيرية في ولاية فرجينيا المجاورة للعاصمة واشنطن من حيث لا تدري. على المستوى الثقافي يتوقع ان يدخل الكتاب الذي يعتزم بوب وودروف وزوجته اصداره ويتطرق فيه الى التجربة المريرة التي عاشها الى قائمة الكتب الأكثر مبيعاً. هذا الكتاب الذي كتبه مع زوجته لي سيصدر بعنوان «رحلة عائلة بين الحب والشفاء».

 

البرنامج الذي قدم بوب وودروف جزءه الاول بعنوان «الذهاب والعودة من العراق» سيركز على الجنود الجرحى خاصة الذين تعرضوا الى اصابات في المخ، لكن إدارة العلاقات العامة في شبكة «إن بي سي» امتنعت عن تقديم ايضاحات حول ما إذا كان عمل بوب وودروف في القناة سيتوقف على هذا البرنامج، وقال مصدر من القناة لـ«الشرق الأوسط» «سنعلن اي تغيير في الوقت المناسب». وعلى الرغم من أن الصحف الأميركية نقلت عن رئيس الأخبار في شبكة «أي.بي.سي» ديفيد وستن رفضه ارسال وودروف مجددا الى العراق مؤخرا، إلا أن إدارة العلاقات العامة اختارت أن ترد على سؤال حول ما إذا كان بوب وودروف سيعود على العراق من جديد لمواصلة انجاز حلقات من برنامجه الوثائقي بقولها «نحن لا نعلن عادة عن البرامج التي ننجزها إلا قبل البث». من جهتها، تقول تريسا وارنر، الباحثة في قطاع الفيديو في وكالة اسوشييتد برس، إن «تجربة المراسلين في ميادين القتال لا يمكن منافستها» وتعتقد ان مسألة توفير حماية لهم مسألة مستحيلة لأن ذلك سيعرض الجنود الذي يتولون حمايتهم لمخاطر. وقالت وارنر لـ«الشرق الأوسط» «الشبكات التلفزيونية الاميركية لا يمكن إلا ان تقبل عملا ميدانيا، الذهاب الى الاجتماعات واللقاءات ومحاورة السياسيين لايغري المشاهدين ». وتزيد «التكلفة باهظة؛ قتل بعضهم وخطف آخرين وجرح كثيرين…عبر هذه المعاناة يتابع المشاهد برامج قوية». وقالت تريسا وارنر «إن بوب وودروف كان في عداد الموتى، لكنه عاد وكان المستفيد هي القناة التي يعمل بها … هذه تجربة مثيرة، كانت مفاجأة من إيه بي سي أن يعود وودروف للعمل». هذه الاثارة استطاع منتج برنامج تريسا وارنر فيني مالهوترا ان يحولها الى لحظات في قمة الاثارة. قال مالهوتر «في لحظة ما وجدت نفسي أضع يدي على عنق بوب لايقاف الدم النازف، في حين كان المصور دوق فوكت يعاني جروحه. كنت أشاهدهما في حالة مزرية وسط صف من الجنود داخل الطائرة التي اقلتهما من مكان الحادث». قبل ظهور بوب وودروف أعلنت «جمعية جرحى المخ في أميركا» إنها دخلت في شراكة مع بوب وودروف وزوجته لمساعدة الجنود الجرحى في العراق وأفغانستان. وقالت سوزان كونور رئيسة الجمعية «إن بوب وودروف تلقى عناية فائقة، وهو الأمر الذي لايحظى به الجنود الذين يتعرضون لاصابات في المخ، لذلك تكتسي مبادرة وودروف أهمية بالغة».

 

وسرعان ما انتقل الموضوع الى الكونغريس؛ حيث طالب السيناتور دانييل اكاكا برصد مبلغ 300 مليون دولار لعلاج الجنود المصابين بجروح تؤثر على المخ. ويرأس اكاكا لجنة شؤون المحاربين القدامي في مجلس الشيوخ. وثار نقاش داخل الكونغريس حول «سوء تقدير إدارة الرئيس الاميركي جورج بوش لتكلفة الجنود الذين يعانون إصابات في المخ».

 

ورد جيمس نيكلسون وزير الجنود القدامى على الموضوع بالاعلان عن مبادرة جديدة لعلاج الجنود الجرحى. وقال «حتى لو كانت الاصابة تتعلق بالقدم او الكف او في العين سنتأكد قبل كل شيء اذا كان الأمر يتطلب جراحة في المخ». وطالبت السيناتور الديمقراطي باتي ميراي الذي أصيب والدها في الحرب العالمية الثانية زملاءها والرئيس بوش، بمشاهدة برنامج بوب وودروف لمعرفة معاناة الجنود الاميركيين.

 

الضجة التي أثارها ظهور بوب وودروف كانت لها تداعيات سيئة على شخص واحد في اميركا، هذا الشخص هو جون راييس المنتج المنفذ لبرنامج أخبار المساء في شبكة «إن بي سي» المنافسة لشبكة «إيه بي سي». والشبكتان موجودتان في نيويورك. وكما يحدث عادة عند إقالة الصحافيين الكبار عن مواقعهما ذكرت شبكة «إن بي سي» أن راييس سيكلف بمهمة اخرى. وكان هذا الصحافي قد عين في هذا الموقع قبل سنتين فقط. السبب الحقيقي لهذه الإقالة هو ان راييس لم يستطع ان يكبح نجاحات «إيه بي سي»، حيث ظلت تتقدم عليها في نسبة المشاهدين منذ نوفمبر (تشرين الثاني)2001. ويقول استطلاع أجرته مؤسسة «نيلسن للبحوث» في مجال الإعلام إن »أيه بي سي» استطاعت أن تستقطب مشاهدين أكثر تتراوح أعمارهم ما بين 25 و54 سنة لأول مرة منذ عام 1996.وكان آخر نجاحات هذه الشبكة هو ظهور بوب وودروف المدوي، ولعل المساهمة العربية الوحيدة في كل هذه الحكاية هي أن بلداً عربياً كان هو «منصة البطولة» بحكم انه كان المكان الذي كاد ان يتحول فيه واحد من أهم نجوم الاعلام الاميركي الى إشلاء.

 

* أصيبوا… واستمروا

 

* فرانك غاردنر

 

(بريطانيا) مراسل هيئة الإذاعة البريطانية «البي بي سي» في الشرق الأوسط أطلق عليه الرصاص في إحدى ضواحي العاصمة السعودية الرياض يوم 6 يونيو (حزيران) 2004. وأصيب غاردنر، الذي يجيد اللغة العربية ويعد متابعاً لقضايا الإرهاب والأصولية الإسلامية، بست طلقات وكانت إصاباته خطيرة إدت إلى تعرضه لشلل دائم في النصف السفلي، في حيت قتل زميله المصور سيمون كمبرز في الحادث نفسه. ولكن رغم خطورة الإصابة عاد غاردنر إلى العمل بعد بضعة أشهر من العلاج وإعادة التأهيل.

* جواد كاظم

 

(العراق) مراسل قناة العربية في العراق تعرض يوم 18 يونيو (حزيران) 2005 لإطلاق نار من مسلحين كانوا يحاولون اختطافه في العاصمة العراقية بغداد، بينما كان خارجاً من مطعم قرب مقر السفارة الألمانية في المدينة، استطاع النجاة ولكنه تعرض لشلل في النصف السفلي، يعمل حاليا من المركز الرئيسي لقناة «العربية» في دبي. مارتن بل (بريطانيا) تعرض مارتن بل مراسل هيئة الإذاعة البريطانية «البي بي سي» للشؤون الدولية إبان الحرب في البوسنة عام 1993 لإصابة بالغة بعد إصابته بشظايا بينما كان يعد تقريراً ميدانياً. وكان ذلك التقرير هو آخر تقرير يعده للبي بي سي التي كان قد التحق بها بعيد تخرجه في جامعة كمبريدج عام 1962 وكان عمره يومذاك 24 سنة، وعلى امتداد غطى للبي بي سي 11 نزاعاً وأخباراً من 80 دولة على امتداد 30 سنة. ولكن عام 1997 أعلن بل فجأة اعتزامه خوض الانتخابات العامة، وبالفعل خاض الانتخابات كمرشح مستقل وفاز بأحد مقاعد شمال غربي انجلترا وظل نائباً حتى عام 2001. ثم عاد إلى شبكة التلفزيون المستقلة «آي تي في» عام 2003 كمحلل إخباري إبان غزو العراق.

* جون سمبسون

 

(بريطانيا) مراسل هيئة الإذاعة البريطانية «البي بي سي» للشؤون الدولية سبمبسون أيضاً مراسل ذو خبرة طويلة امتدت لأكثر من ثلاثة عقود، حملته إلى أكثر من 100 دولة في مختلف أنحاء العالم. ولكن عام 2003 عندما كان مراسلاً مرافقاً (أو «مقمطاً») في شمال العراق تعرض لـ«نيران صديقة» عندما سقطت قذيفة مضادة للدروع في مكان تموضع القوة الأميركية التي كان يرافقها. وفي حين قتل أحد زملاء سمبسون في الحادث فإن إصابته أدت إلى فقده حاسة السمع في إحدى أذنيه.

* مي شدياق

 

(لبنان) مذيعة في تلفزيون الشبكة اللبنانية للإرسال «إل بي سي»، تعرضت الإعلامية اللبنانية البارزة مي شدياق لإصابات بالغة وأفلتت من الموت بما يشبه الأعجوبة في محاولة اغتيالها بتفخيخ سيارتها «الرينج روفر» في بلدة جونية الواقعة شمال شرقي العاصمة بيروت. وبنتيجة الحادث المروع لحقت بمي إصابات وحروق بالغة، ولكن أمكن إنقاذ حياتها بعد فقدها ذراعها اليسرى وساقها اليسرى تحت الركبة. مع هذا عادت مي شدياق لتطل يوم 25 نوفمبر (تشرين الثاني) 2006 على جمهورها واعدة إياه بالعودة إلى التلفزيون، وحقاً عادت قبل بضعة أشهر لتقدم برنامج حوارات سياسية جرئ بعنوان «بكل جرأة».

* ماري كولفن

 

(أميركية تعمل في بريطانيا) مراسلة «التايمز» اللندنية للشؤون الدولية غطت ماري كولفن الصحافية الأميركية المقيمة في بريطانيا والتي عملت طويلا مع دار «التايمز» «الصنداي تايمز» العديد من الأحداث والنزاعات الدامية من مختلف مناطق العالم. ويوم الإثنين 17 ابريل (نيسان) 2001 تعرضت لإصابات من شظايا قنبلة في سري لانكا ذهبت بإحدى عينيها، لكنها سرعان ما عادت إلى العمل كالمعتاد.

* آنا زاركوفا

(بلغاريا) مراسلت قضايا الجريمة في صحيفة «ترود» كتبت آنا زاركوفا العديد من التقارير الصحافية الهادفة إلى كشف الجريمة المنظمة والفساد وعنف رجال الشرطة. وفي مايو (أيار) 1998 تعرضت لحروق بالغة عندما رشقها شخص مجهول بحامض الكبريتيك بينما كانت تنتظر ركوب حافلة. لكن الاعتداء لم يمنعها من العودة إلى ممارسة المهنة، ومع أنها عادت للعمل في القسم الثقافي في الصحيفة فإنها سرعان ما تولت مهامها السابقة في قسم القضايا.

(وحدة أبحاث: «الشرق الأوسط»)

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

4 تعليق على “العائدون من الموت”

  1. سردك لبرنامج بوب وودروف سلس وممتع …وينم عن أسلوب أدبى رفيع …هذا أسلوبك وليس منقولا على ما أعتقد ؟.

  2. اردت ان اسجل مروري من هنا ولي عودة اخرى للتعليق على الادراج

    تحياتي و تقديري لك

  3. أهلا أستاذي زكريّا -المحترم ..

    فعلا المقال في غاية الروعة وأنا أستاذي لا وزلت أخطوا في البداية هذا المقال منقول من صحيفة الشرق الأوسط كما ذكرت في نهاية المقال .. ألف شكر على المتابعة والإهتماا م .. دمت بود .

    صفية

  4. عزيزي رفيق .. تكفيني إطلالتك البهيةوإشراقتك الذهبية ..

    ألف شكر على الزيارة وآمل أن تكتب لنا تعليقك التي يزيد الصفحة إشراقاً وبهاء ..عد إلينا قريبا .

    وكما تعودّنا منك رائع وقلمك دائما مايجعلني استفيد من المقالة كم اعشق ما تكتبه. تحيتي العطرة.



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر