مغتـــــــــــــربة


أن تغترب يعني أن ينساك الأحبـــــة ..أن تنتظر في كـــــــل الطوابير الذاهبة إلى الوطن وأن تصبح كمّا هائلاًُ من الأشواق والذكــــــريات الغــــربــــة.. أن تغترب أن تتــــغير لهجتك وتكــسر الكلام في الروح .. أن تفتقد إلى المطر و ندى الصباح ورائــحـــــة الأم والمدفـــــأة .. أن تصبح الأشياء لا معنى لها ولا طعم ولا لون ولا رائحة،،

الأربعاء,تشرين الثاني 15, 2006


قصة أيام الخطوبة

 

المطر فجأة

وهما يسيران في شارع قصر النيل قالت سميرة وهي تضحك: لو كانت لي قصة حبّ لحكيتها لك.. صدّقني.
فقال مدحت: أنت تكذبين (ورفض أن يعطي قرشاً لشحّاذ أعرج يحجل وراءه).
قالت سميرة: سوف أغضب.
فقال مدحت: ولكن معك حقّ أنت لم تحبّي أبداً..
وقفت أمام الفاترينة.. "أسبوع الفضلات".. "أذواق".. قطعة قماش بنّيّة مرقشة.. على الزجاج وجهه ووجهها..
قال: أنا آسف.
فقالت: أنت لا تصدّقني أبدا.. أريد أن أشتري شيئاً لماما لعيد الأمّ.
- قماش ؟
- لا، شنطة.
همس: أحبّك، ماذا أفعل ؟
قالت: ماذا تقول ؟ ارفع صوتك، لا أسمع شيئاً.
- لا شيء، نمشي.
إشارة المرور.. رجل يحملق فيها وجهه حزين.. تتشبّث بذراع مدحت ثمّ تتركه..
واحد بجوارها يقول: "المرأة مكانها الطبيعي البيت" فيردّ صاحبه: "والجل أيضاً..
يضحكان.. الإشارة خضراء من جديد.. الناس من الرصيف المقابل يهجمون ووجوههم مقطّبة..
قال مدحت فجأة: ما رأيك، نسافر إلى الإسكندرية ؟ .. أحبّ البحر.
فقالت: متى ؟
- الآن.
- وشغلك ؟
- لا يهمّ.
- وماما ؟
- لا يهمّ.
- مجنون.
بوليس النجدة.. الناس يمشون على الرصيف ورؤوسهم ملويّة، ينظرون للصفّارة.
قالت: أنا أحبّ أن أسكن في الهرم. أكره الزحام.
يا ربّي كم أكره الزحام.. في الصباح والناس يخنقونني في الأتوبيس أتمنّى أن أموت.. ما رأيك في هذه الشنطة، تنفع لماما ؟
- شباب، شباب أكثر من اللازم.
- ماما ليست عجوزا. عندما تمشي معي في الشارع يظنّها الناس أختي الكبيرة.
- يا للسعادة.
- ماذا تقول ؟ لماذا لا ترفع صوتك ؟
- اشتريها.. أقول اشتريها، اشتريها، اشتريها.
- لا، غالية جدّاً. ولا تصرخ هكذا.
في ميدان التحرير سألها: ما هو الحبّ ؟
قلّبت عينيها في السماء وقالت: في الأغاني والأفلام. أتظنّ أنّها سوف تمطر ؟
كانت السماء مزدحمة بقطع صغيرة مدوّرة من السحاب الداكن، أطرافها رقيقة وشفّافة تسبح في السماء بسرعة ثمّ تتلاشى كالدخّان.
قال: لا، لن تمطر.
- أنا أظنّ أنّها سوف تمطر.
- ربّما، ولكن اسمعي.. أنا أحبّك ماذا أفعل ؟
- لا داعي لهذا الكلام.
- ولكن لماذا ؟
- لا داعي له، سوف أغضب.
سارا صامتين، وعند كوبري قصر النيل كان الأسد عابساً وعلى لبدته مخلّفات العصافير، بيضاء كالجير، وعلى عينيه أيضاً، سارا على الكوبري، صامتين.
قالت له بعد فترة: لم لا نكون كالإخوة ؟
ضحك وأشعل سيجارة.
قالت: أنت أخي وأنا أختك.
ضحك أيضا فقالت: ما الذي يضحكك ؟
ثمّ بدأ الرذاذ فقالت: قلت لك إنّها سوف تمطر.
قال: نعم (ألقى بالسيجارة المبتلّة في النهر).
- لم ترد أن تصدّقني وها هي قد بدأت تمطر.
- نعم، نعم.
- أنا قلت ذلك.
- نعم قلت إنّها سوف تمطر وأنا قلت لن تمطر وقد بدأت تمطر ماذا أفعل بالضبط ؟ أرمي نفسي في البحر ؟
- أبداً، تسمع كلامي بعد الآن.
- أصبح أخاك ؟
- بل نمشي بسرعة.. سيشتدّ المطر.
- أنا أيضاً لا أحبّك.
- نعم.
- كنت.. كنت أريد أن أحبّك، ولكن..
- لا يهمّ، لا داعي لهذا الكلام الآن، أسرع.
عندما وصلا إلى باب الكازينو كانت تلهث وقطرات الرذاذ على خذّيها وحاجبيها وخصلة من شعرها المبتلّ قد التصقت بخذّها الأسمر فمدّ يده ومسح الرذاذ ولكنّها ابتعدت بسرعة وقالت: شكراً، معي منديل.
جلسا تحت المظلّة في الكازينو وكانت قطرات المطر الصغيرة تسقط على النهر فترتجف الأمواج الرمادية بسرعة واستمرار.
قالت: أكره الرذاذ. يا ربّي.. لو أمطرت بشدّة لانتهينا بسرعة ولكن هذا الرذاذ..
رفع عينيه إلى الكوبري فرأى الناس يمشون مسرعين وقد مالوا بجذعهم إلى الأمام وفردوا الصحف فوق رؤوسهم. وكان الرذاذ يبدو خطوطا شفّافة مائلة تملأ العالم.
قال: نعم، سوف يستمرّ للأبد.
- ما هو ؟
- الرذاذ.
- وماذا تقصد ؟
- لا شيء.
مرقت بسرعة قطّة سوداء مبتلّة، وتحت المنضدة المجاورة نفضت نفسها ثمّ جلست بهدوء واحتضنت جسمها الأسود اللامع بذيلها الكبير ثمّ راحت تتطلّع إليه بعينين خضراوين مستفهمتين.



للامانة كتبتها من قصص (بهاء طاهر _الخطوبة)



في17,تشرين الثاني,2006  -  01:06 مساءً, Ahmed Almusained كتبها ...

أسلوب جميل ..

وسرد قصصي رائع ..


أتمنى أن تشاركي بموضوع عن بنات اليوم أتكلم ..

وتبدي وجهة نظرك ..

في الموضوع بكل حيادية ..


وشكرا لك ..

في18,تشرين الثاني,2006  -  09:23 مساءً, معتقل سابق كتبها ...

وقت ما قريت العنوان انخلعت
قصة أيام الخطوبة